السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 182
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
هذه نابعة من تلك يرى أنّ حركة المفتاح متأخّرة عن حركة اليد بوصفها نابعةً منها ، ويرمز إلى هذا التأخّر بالفاء فيقول : « تحرَّكتْ يدي فتحرّك المفتاح » ، ويطلق على هذا التأخّر اسم « التأخّر الرتبي » أي التأخّر في الدرجة . وبعد أن يدرك العقل تلك العلاقات يستطيع أن يستفيد منها في اكتشاف وجود الشيء أو عدمه ، فهو عن طريق علاقة التضادّ بين السواد والبياض يستطيع أن يثبت عدم السواد في جسمٍ إذا عرف أنّه أبيض ؛ نظراً إلى استحالة اجتماع البياض والسواد في جسمٍ واحد ، فما دام أبيض وجب بحكم علاقة التضادّ أن لا يكون أسود . وعن طريق علاقة التلازم بين المسبَّب وسببه يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبَّب إذا عرف وجود السبب ؛ نظراً إلى استحالة الانفكاك بينهما . وعن طريق علاقة التقدّم والتأخّر يستطيع العقل أن يكتشف عدم وجود المتأخّر قبل الشيء المتقدّم ؛ لأنّ ذلك يناقض كونه متأخّراً ، فإذا كانت حركة المفتاح متأخّرةً عن حركة اليد في تسلسل الوجود فمن المستحيل أن تكون حركة المفتاح - والحالة هذه - موجودةً بصورةٍ متقدِّمة على حركة اليد في تسلسل الوجود ؛ لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون متقدِّماً على الشيء ويكون في نفس الوقت متأخّراً عنه . وكما يدرك العقل هذه العلاقات بين الأشياء ويستفيد منها في الكشف عن وجود شيءٍ أو عدمه ، كذلك يدرك العلاقات القائمة بين الأحكام ، ويستفيد من تلك العلاقات في الكشف عن وجود حكمٍ أو عدمه ، فهو يدرك - مثلًا - التضادّ بين الوجوب والحرمة ، كما كان يدرك التضادّ بين السواد والبياض ، وكما كان يستخدم هذه العلاقة في نفي السواد إذا عرف وجود البياض ، كذلك يستخدم علاقة التضادّ بين الوجوب والحرمة لنفي الوجوب عن الفعل إذا عرف أنّه حرام . فهناك إذن أشياء تقوم بينها علاقات في نظر العقل ، وهناك أحكام تقوم بينها